الشيخ محمد رشيد رضا
366
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
اليه باللسان كما فعل أبوانا بقولهما ( رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا ) الآية وفاقا لما ذكرنا في معالجة الأمراض البدنية ، وسيأتي تفصيل القول في تأثير ذكر اللّه تعالى في معالجة الخواطر الرديئة والافكار الباطلة التي تحدثها هذه الوسوسة في تفسير قوله تعالى في آخر السورة ( 199 وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 200 إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ ) ومنه ما ورد من الحديث الصحيح في فضل عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه من فرار الشيطان منه ، وكونه ما سلك فجا الا سلك الشيطان فجا غيره قد سبق لنا بيان مثل هذا التشابه بين تأثير الاحياء الخفية المجتنة في الأجساد وفي الأنفس ، وقد أعدناه هنا مفصلا لقوة المناسبة ، ولتذكير المؤمنين ، بأقوى ما يردون به شبهات بعض الماديين . الذين ينكرون وجود الجنة والشياطين ، لأنهم لا يرونهم ، أو لان وجودهم بعيد عن النظريات والمألوفات عندهم ، على أن أرواحهم الخبيثة التي ينكرون وجودها أيضا هي أوسع الأوطان لهم ، ولو كان الاستدلال بعدم رؤية الشيء على عدم وجوده صحيحا وأصلا ينبغي للعقلاء الاعتماد عليه لما بحث عاقل في الدنيا عما في الوجود من المواد والقوى المجهولة ، ولما كشفت هذه الميكروبات التي ارتقت بها علوم الطب والجراحة إلى الدرجة التي وصلت إليها ، ولا تزال قابلة للارتقاء بكشف أمثالها ، ولما عرفت الكهرباء التي أحدث كشفها هذا التأثير العظيم في الحضارة ، ولو لم تكشف هذه الميكروبات وأخبر أمثالهم بها مخبر في الون الخالية لعدوه مجنونا وجزموا باستحالة وجود أحياء لا ترى يوجد في نقطة الماء الصغيرة ألوف الألوف ، منها ، وأنها تدخل في الأبدان من خرطوم البعوضة أو البرغوث الخ كما أن ما يجزم به علماء الكهرباء من تأثيرها في تكوين العالم وما تعرفه الشعوب الكثيرة الآن من تخاطب الناس بها من البلا البعيدة بآلات التلغراف والتلفون اللاسلكية - كله مما لم يكن ينصوره عقل وقد وقع بالفعل . فان كانوا يقولون : ان مقتضى العقل أن لا يقبل أحد قول الأطباء في اتقا ميكروبات الأمراض والأوبئة وفي المعالجة والتداوي منها إلا إذا رآها كما يرونها وثبت عنده ضررها كما ثبت عندهم - فإننا نعذرهم حينئذ في قولهم إن من مقتضى العقل أن لا يقبل أحد قول أطباء الأرواح وهم الرسل عليهم السّلام وورثته من العلماء الهادين المرشدين في اتقاء تأثير وسوسة الشياطين وفي التوبة